حيدر حب الله

138

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

والحواري والشفوي الذي جاء فيه ، فالنزول التدريجي للقرآن الكريم على شكل مقاطع متفرّقة لها سياقاتها الخاصّة يحول دون افتراض تحوّله فيما بعد إلى سياق اتصالي واحد بهذا المعنى الذي يشبه تأليف شخص لكتاب ثم نشره دفعةً واحدة في الأسواق . ويشهد لذلك ظاهرة النسخ وظاهرة التدرّج في بيان الأحكام ، فلو تعاملنا اليوم مع القرآن الكريم بوصفه وحدةً اتصاليّة بهذا المعنى للزم فهم ظاهرة النسخ على أنها شكلٌ من أشكال الإضراب لا غير ! ولم يعد هناك معنى لفكرة التدرّج القرآني في بيان الأحكام . 2 - أن يُقصد بالسياق القرآني العام ، تفسير القرآن بالقرآن ، وهذا المعنى مقبول ؛ لأنه مقتضى قانون الفهم اللغوي العقلائي لأيّ كلام يصدر من متكلّم عاقل حكيم ، فإذا كان هذا المتكلّم هو الله سبحانه ، فمن الطبيعي - حيث لا تناقض في كلامه ، وحيث لا تغيّر في علمه - أن يكمل كلامُه كلامَه الآخر ، وتتحوّل الآيات والسور والمقاطع إلى مداميك مكمّلة لبعضها بعضاً ، لا بمعنى الوحدة الاتصاليّة التي أشرنا إلى صعوبة إثباتها في كلّ الآيات ، بل بمعنى الوحدة المجموعيّة التي تعني أنّ آيةً ما أو سورةً ما أو مقطعاً ما يفيد معنى ، وبمعرفتنا إرادة المتكلّم هذا المعنى نستطيع فهم مراده من كلامٍ آخر له ، لا تحقَّق ظهور الكلام في مكان آخر كما هو مقتضى القرينة المتصلة ، فالكلامان ينعقد فيهما ظهور ، غايته يكون أحدهما شاهداً على المراد من الآخر أو موضحاً لمقصود المتكلم من الكلام الآخر ، تماماً كما في تعاملنا مع الأحاديث النبويّة ، حيث يُجعل حديثٌ ما بمثابة القرينة المنفصلة الموضحة للمراد من الحديث الآخر .